حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )
156
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان
فلو لا القهر لم يتحقق اللطف ، ولولا النار لم تثبت الجنة ، كما أنه لولا الألم لم تتبين اللذة ، ولولا الجوع والعطش لم يظهر الشبع والري . وللّه در القائل : « وبضدها تتبين الأشياء » . فخلق اللّه تعالى للجنة خلقا يعملون بعمل أهل الجنة ، وللنار خلقا يعملون بعمل أهل النار . ولا اعتراض لأحد عليها في تخصيص كل من الفريقين بما خصصوا به فإنه لو عكس الأمر لكان الاعتراض بحاله . وهاهنا تظهر حقيقة الشقاوة والسعادة فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ [ هود : 105 ] الآية : وقال صلى اللّه عليه وسلم : « إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يبعث اللّه إليه ملكا بأربع كلمات ، فيكتب عمله وأجله ورزقه وشقي أو سعيد » « 1 » الحديث . وإذا تؤمل فيما قلت ، ظهر أن لا وجه بعد ذلك لإسناد الظلم والقبائح إليه تعالى ، لأن هذا الترتيب والتمييز من لوازم الوجود والإيجاد كما يشهد به العقل الصريح ، ولا سيما عند المخالف القائل بالتحسين والتقبيح العقليين . وليت شعري لم لا ينسب الظلم إلى الملك المجازي حيث يجعل بعض من تحت تصرفه وزيرا قريبا وبعضهم كناسا بعيدا لأن كلا منهما من ضرورات المملكة ، وينسب الظلم إليه تعالى في تخصيص كل من عبيده بما خصص به ، مع أن كلا منهم ضروري في مقامه ؟ ! فهذا القائل بهدم بناء حكمته ، تعالى ، ويدعي أنه يحفظه فأفسد حين أصلح . وأما قوله « أي فائدة في بعثة الرسل وإنزال الكتب » ففي غاية السخافة ، لأنا لما بينا أنه تعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ، فكيف يبقى للمعترض أن يقول : لما جعل اللّه تعالى الشيء الفلاني سببا وواسطة للشيء الفلاني ؟ كما أنه ليس له أن يقول مثلا لم جعل الشمس سببا لإنارة الأرض ؟ غاية ما في الباب أن يقول إذا علم اللّه تعالى أن الكافر لا يؤمن فلم يأمره بالإيمان ويبعث إليه النبي صلى اللّه عليه وسلم فأقول : فائدة بعث الأنبياء وإنزال الكتب بالحقيقة ترجع إلى المؤمنين الذين جعل اللّه بعثهم وإنزالها سببا وواسطة لاهتدائهم إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها [ النازعات : 45 ] كما أن فائدة نور الشمس تعود إلى أصحاب العيون الصحاح . وأما فائدة ذلك بالنسبة إلى المختوم على قلوبهم فكفائدة نور الشمس بالنسبة إلى الأكمه وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَماتُوا وَهُمْ كافِرُونَ [ التوبة : 125 ] غاية ذلك إلزام الحجة
--> ( 1 ) رواه البخاري في كتاب التوحيد باب 28 . مسلم في كتاب القدر حديث 16 . الترمذي في كتاب القدر باب 4 . ابن ماجة في كتاب المقدمة باب 10 .